الاثنين، 26 مايو 2008

الزاوية البعيدة (1)


كم من المرات أرسلت صوتي طلبا للأحبة، ذات نداء في عتمة كأنها الأمد أجابني من بعيد صوت لا أدرك ملامحه لكنه رسم دوائر تكبر وتتعدد من الكلمات المائلة بعنقها وكأنها فعل مقصلة... لم يرتد إلي صوتي لكني رأيت كائنا آخر يشبهني يمر بالقرب مني وينحني قليلا حتى لا يطرق بهامته سقف الصرخة، كتمت أنفاسي وكأنني لا أعي ما يحمله الغياب حين لا نشبه ما نحن عليه، عاودت الصرخة ثانية فطرق بابي في أول الأمر وجه آخر، لكن الدوائر تكررت بقوة أكبر، هكذا أخذت الحياة تحاورني كما لو كنت شاطئا مهجورا في فضاء صباح شاحب، أحصي الأحبة وأعاود الرحيل

اليوم أدركت أن هناك ميل خطير ناحية الزاوية البعيدة، تلك التي كثيرا ما رفعت نفسي على أطراف أصابعي لأرى أبعد مما أستطيع فيها، الزاوية البعيدة كبرت فجأة وأصبحت بحجم ثقب كوني أسود لكنه ناصع في جاذبيته الحادة، لم أكن أدري مسافات الرمل الحارقة في روحي، حتى أمسكت بسراب الفكرة الطازجة لكون قد يكون أجمل

اليوم وأنا أستعيد كل الذكريات والأحلام وحتى تلك اللحظات الساكنة التي نمر بها على الدروب خطفا دون أن نعيها لأننا ننظر للقاء عابر أو درب يوصلنا إلى مكان ما، حتى ذلك الرجل العجوز الذي أراه في ذهابي وإيابي ينظر إلي بعيون ذابلة ويرد تحيتي بصوت رفيع جدا أشعر به كما لو كان مسمارا حديديا سقط أرضا في لحظة هدوء قاتلة، العصفور الذي مر بقربي في أرض بعيدة جدا، لم اترك شيئا للصدفة ولم اترك مساحة فارغة إلا وأغلقتها حتى تلك القصائد الصغيرة التي كتبتها ومحوتها في ذاكرتي لأنني لم أجد ورقة بيضاء في اللحظة المناسبة !.

اليوم عرفت بما لا يدع مجالا للشك أنني رسمت على الأفق ألوانا لا تليق به، لا تليق بسنا الكلمات التي حاورتها طويلا، اليوم عرفت أن الدروب لا تنكسر أو تنغلق في وجه قلوب تشبه قلبي الذي ينعته الأحبة دائما بالنقاء وأعرف أنهم يقصدون السذاجة، لكني أدرك أنه فقط لا يجيد أكثر من لغة واحدة.أمسك بالسراب أحيانا فيأخذني مبتعدا لأنه لا يستطيع التخلص من قبضتي اليائسة، يحاول أن يهدأ قليلا، يضع رحاله في صحراء أحيانا أو في ظل شجرة، يحاول خداعي لكنه يخفق في اللحظة ذاتها التي يستعد فيها للرحيل، السراب الذي اندلع في روحي في أول مصافحة لي في هذه الحياة، أصبح أكثر شفافية من أي وقت مضى، أصبح يوقن تماما أنني استطعت أن اعكس صورتي في نطفته الأولى، فآخاني وابتعد، وها أنا أقف وحدي بلا روحي التي اتحدت مع السراب ورحلت، هل استطيع أن أعبر مسافة أبعد دون أن أجد أنني بت مشروعا لرحيل قادم وعميق لكنه ناصع البياض مفعما بالتفاصيل التي أهملتها.كلما حاول النبض أن يرقص قليلا ليزيح عن كاهله الألوان القاتمة للخديعة شعر بأن حصاه تحت القلب مباشرة تجرح في اتجاهين، ورغم كل هذا ونكاية بكل هذا ها أنا أحاول الوقوف والرقص قليلا، أحاول أن أعي حجم المأساة التي تحاول أن لا تغرقني بها رأفة بي أو بها، فكلانا مليئان حتى أخرنا بالخذلان، كلانا يائس حد ارتكاب حماقة النظر إلى وجوهنا في المرآة.

ليست هناك تعليقات: