الثلاثاء، 27 مايو 2008

الزاوية البعيدة (2)


مررت كثيراً على روحي ... مئات المرات جيئة وذهابا، حاولت أن أمسك خيطا يستطيع أن ينكثها، يعيد تكوينها، يفك شفراتها الكثيرة، يعطيني دربا أستطيع فيه أن أصل إلى نهاية ما، لكني في كل مرة كنت أصل إلى أبواب تتناسل منها أبواب، حتى في تلك اللحظات الميتة، اللحظات الساكنه كما لو أنها محاولة أعمى لفتح عينيه، كما لو أنها بحيرة راكدة منذ ألف عام، أحيانا أرمي لها بسمة كمحاولة يائسة للخديعة التي تستطيع أن توقظ نسيما أو تحرك راكا، لكن دون جدوى، قلت لأجرب، رسمت ابتسامة أخرى لكنها تلاشت كما لو أنها لم تكن، مررت على غرف الذاكرة جميعها، أيقظت الأموات كلهم، جلبت الغيّاب،أيقظت كل ما مرت عليه عيناي وقلبي ، لكن لا شيء، فاجأني صديق قديم باتصال حاولت أن أزعم أنني فوجئت، أنني فرحت، حاولت أن أبتسم له، لكني سمعت صوتا لا يشبهني، فأخذ الصديق صوته ورحل وتركني أحاول أن أصرخ بلا حنجرة!


أخذت كتابا، قرأت قليلا، فخَفَت قليلاً تشنج القلب، قلتُ ربما، واصلت القراءة لكن في الأفق ، أفق الروح صمت شيء فجأة وكأنه انقطع وتبعثرت الكلمات من حولي بلا وجهها كالهشيم!

أعرف أن البحر وحده قادر على استعادة شكلا للحياة في روحي لكنه بعيد، وأنا الأن وحدي تائهة في هذا البياض القاتل، تهرب مني الكلمات، أصابعي تتهرب وكأنها حائرة أو خائفة أو...لست أدري، أفتح كتاب الاسئلة وأشرعها كما طفل يتعلم القراءة من جديد، مالذي حدث ؟؟ هل هو القلب وحده الذي اتخذ قراراً مفرداً وخطيراً بالموت ؟؟ وأي موت ؟؟ هل من حق هذا القلب أن يتخذ قراراً أشد وقعاً من الموت ؟ (الصمت) لماذا أصمت والكلمات كما مرجل في باطن الأرض، نراقب الصحراء ونغفل أن في داخلها يموت كون وتنبعث شياطين أكون اخرى ؟؟

هل من حقي أن (أصمت) وعن أي (صمت) أتحدث ؟؟ الصمت الذي إبتعدعه أصدقائي الموتى ؟؟ أم هو الصمت الذي يشبه شحوب طفل ترك يد أمه وأدرك فجأة أنه نهباً للضياع ؟؟ بالأمس تحدثتُ مع الله ... لم أطلب منه شيئا، لم أعاتبه أو أستعطفه أو أرجوه...تحدثت معه كقلب متعب يريد أن يضع رأسه على وسادة ليرتاح، تحدثت مع الله وأنا أعرفه ويعرفني بلا دموع أو تاريخ ...ماذا قلت له ... ماذا وضع في روعي من كلمات ؟؟؟ ليس هذا مهما، كما لو أن الكلمات فعل ثانوي فائض

لم يكن تأملا بل كان حديثا رائقا جداً، حاولت بعده أن أتمسك بما بعث في روحي من طرقات ليست بعيدة لكنها هادئة، حاولت ..... حاولت حتى وجدتني ثانية تائهة أتجول في الطرقات وحيدة ... فتشرع الأرصفة مداها في بُعدي الرابع، البعد الذي بت اعرفه كما مساحة يدي التي قرأ عليها أحد الاصدقاء شيئا اجفلني ....

أعود للنقطة التي ابتعدت عنها، لماذا الصمت ؟؟ هل حقا هو صمت ؟؟؟ كيف وكل تلك القباب الهائلة التي تظهر على أديم القلب تخفي تحتها شيئا يتكاثر في الخفاء كما لو أنني كنست روحي تحتها ؟؟؟ لماذا يسألني الأصدقاء عن الصمت وأنا لا أفهم ما يقولون ؟؟ أنا لم أصمت يوما... أنا اليوم استطعت أن أتخطى الحاجز المظلم ما بين الموت والحياة وهذا هدف سعيت له منذ زمن طويل ... اليوم أستطيع أن أقول لنفسي أنني وصلت لشيء ما...شيء أبحث عنه منذ وعيت الكتابة، تماما كتلك التجارب الروحية التي كنت ابتدعها وأتدرب عليها وأغرق فيها حتى آخري، ربما معه حق حين قال(!) انني نضجت روحياً أكثر مني كتابياً، لكنه لا يعرف أنني حتى في الكتابة أبتدع طريقا لي وحدي، طريقا لا يشبه أحد حتى وأن بدت كلماتي أحيانا تشبهني، أي تشبه أحدا ماً... حتى لو كنت أنا هذا (الأحد)....

اليوم وأنا أصارع الشمس التي أبت إلا أن تغلق عيني وأنا كنت أحاول أن أضع حداً لصفاقتها قلت لنفسي أضعها على المقعد قربي وأتجاهلها تماما، لكنها جلست كما طفلة توقفت عن البكاء، الشمس صارت صديقة رغم صمتي، رغم عزلتي أستطعت أن أراها وأشعر بها قربي، الدفء الذي يخفيه قلة قليلة من الأحبة يومض قربي كما الشمس التي رافقتني إلى عملي هذا اليوم ....وربما في أيام كثيرة قادمة ......أقول ربما لأن مشروعي القادم لا يملك وقوداً إلا الزمن .... الزمن الذي أربكني دائما ولم ولن أعيه لأنني بكل بساطة أضعته من يدي فاحدث فوضى لا تشبه سوى ما أنا عليه الآن أو دائما، أعرف أن ما أكتبه شاحب وغير حقيقي أو متدفق تماما كنبض قلبي الآن ....لكني سأكتب ..سأكتب ....

ليست هناك تعليقات: